لا يندرج كتاب «أضواء قرآنية» ضمن كتب التفسير بالمفهوم الكلاسيكي الذي يلتزم تتبّع الآيات وفق ترتيبها، ولا يهدف إلى استقصاء الأقوال أو مناقشة الخلافات التفسيرية.
إنه عملٌ فكريٌّ تأمليّ، أقرب إلى خواطر قرآنية واعية، أو إلهامات معرفية وروحية انبثقت من معايشة طويلة للقرآن، ومن احتكاكٍ عميق بأسئلة الإنسان والواقع.
فالكتاب لا يفسّر القرآن بقدر ما يفتح مساحات للتفكير معه، ويستدعي القارئ ليكون شريكًا في التأمل، لا متلقيًا سلبيًا للمعنى.
يتعامل فتح الله كولن مع القرآن بوصفه خطابًا حيًّا متجاوزًا للزمان والمكان، يخاطب الإنسان في كل عصر بلغته الوجودية العميقة. فالآيات عنده ليست شواهد لغوية أو أحكامًا مجرّدة، بل مفاتيح لفهم النفس والكون والتاريخ، وإشارات كونية تنبض بالحياة لمن أحسن الإصغاء إليها.
من هنا، يلحّ الكتاب على أن القرآن لا يمنح نوره إلا لمن أقبل عليه بقلبٍ متأهّب، وأن الهداية ليست فعلًا آليًا، بل ثمرة استعداد داخلي، وتفاعل روحي وفكري مع الوحي.
يقوم منهج «أضواء قرآنية» على قراءة الآية من زوايا متعددة، دون الإخلال بأصول علم التفسير، مع توسيع أفق النظر إلى ما وراء اللفظ المباشر.
فالمؤلف: يستأنس بالبلاغة والسياق وأسباب النزول، يطّلع بعمق على التفاسير التراثية، ثم ينطلق منها إلى أفقٍ أرحب، يربط النص بالسنن الإلهية الجارية، وبحركة الإنسان في الواقع. وهكذا تتحول الآية من معنى يُفهَم إلى قضية تُعاش، ومن حكمٍ يُحفظ إلى وعيٍ يغيّر زاوية النظر إلى الحياة.
يشكّل الإنسان محورًا أساسيًا في هذا الكتاب؛ الإنسان كما هو، لا كما يُفترض أن يكون.
إنسان تتجاذبه نوازع الإيمان والشك، وتؤثّر فيه البيئة، وتحدده الاستعدادات الداخلية بقدر ما تحدده الحقائق الخارجية. ومن خلال تأملاته، يكشف كولن عن: أثر الصفاء الداخلي في تلقي الهداية، وطبيعة الانحراف بعد الإيمان، والفروق النفسية والوجودية بين المؤمن والكافر والمنافق، ثم كيف تتحول بعض المواقف الفكرية إلى حالات قلبية مغلقة تحجب النور.
فالقرآن – في هذا التصور – لا يتعامل مع الإنسان بوصفه عقلًا مجردًا، بل كيانًا مركّبًا من قلب وفكر وإرادة.
من أبرز سمات الكتاب ربطه الدائم بين الخطاب القرآني وسنن الله في الكون والحياة. فالقصص القرآني ليس حكاية ماضية، بل نموذجًا متكررًا، والآيات ليست محصورة في أسباب نزولها، بل مفتوحة على كل زمان.
ومن هنا تتكرّر في الكتاب الإشارة إلى: قوانين النهوض والسقوط، والعلاقة بين الإيمان والعمل، وخطورة الفراغ الروحي والعملي، ثم مركزية الحركة والفاعلية في حياة المؤمن، ليغدو القرآن دستورًا للحياة المتحرّكة، لا كتاب عزلة أو انتظار.
يقدّم «أضواء قرآنية» فهمًا عميقًا لمعنى قراءة القرآن.
فالغاية ليست استيعاب أكبر قدر من المعلومات، بل أن يشعر القارئ أن الخطاب القرآني يمسّه شخصيًا، ويعيد تشكيل وعيه بذاته وبالعالم. إنها قراءة: تُوقظ الضمير، وتستنهض المسؤولية، وتحوّل الإيمان من حالة ذهنية إلى حضور فعّال في الواقع.
ولهذا يؤكّد الكتاب أن أعظم خسارة في التعامل مع القرآن هي اختزاله في قصص تُروى أو ألفاظ تُتلى، دون أن يتحوّل إلى قوة مغيرة للحياة.
تنبع القيمة العلمية لـ«أضواء قرآنية» من كونه:
إنه كتاب يضيف إلى العقل بصيرة، وإلى القلب حياة.
هذا الكتاب موجّه إلى:
«أضواء قرآنية» ليس تفسيرًا يُنهي الأسئلة، بل كتابًا يوقظها، ولا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يعلّم القارئ كيف يُصغي للقرآن بعقلٍ حيّ وقلبٍ يقظ.
إنه قرآن يُقرأ من الداخل، وتأملٌ لا ينتهي عند الصفحة الأخيرة، بل يبدأ منها.
“...”
“...”